بنبضٍ يملؤه القلق على مستقبل الأجيال، وبصوتٍ يتهدج غيرةً على حرمة المدرسة العمومية، أصدرت النقابات التعليمية الخمس الأكثر تمثيلية صرخة استغاثة جماعية في بلاغها الصادر يوم 22 يناير 2026. لم يكن مجرد بيان إداري، بل كان نداءً من القلب يحذر من طعنة في خاصرة التعليم بسبب التنزيل "الأحادي والمتسرع" لما يسمى "مدارس الريادة".
إليك صياغة تعبر عن هذه المشاعر العميقة:
صرخة من قلب المدرسة العمومية: عندما يتحول الإصلاح إلى تهديد
بينما كان من المفترض أن يزهر الأمل في فصولنا الدراسية، أطلّ مشروع "مدارس الريادة" كظلال باهتة تفتقر إلى روح الإصلاح الحقيقي. إن النقابات التعليمية اليوم لا تنبه فقط إلى أرقام أو إجراءات، بل تدق ناقوس الخطر على ضياع جودة التعليم واستقرار المؤسسات التي هي الملاذ الأخير لأبناء الشعب.
أوجاع غائرة خلف واجهات "الريادة"
كيف يمكن لوزارة أن تتحدث عن الريادة وهي تغمض عينيها عن نزيف الاكتظاظ الذي يخنُق الأنفاس داخل الحجرات؟ كيف نتحدث عن التميز بينما المدرس يغرق في بحر من الأوراق والتقارير الجافة، ليتحول من مربٍّ يحمل شعلة القيم إلى مجرد "آلة" تنفذ برامج جاهزة وتملأ خانات تقنية صماء؟
لقد جُرد المعلم من إنسانيته وبيداغوجيته ليصبح مجرد رقم في معادلة فاشلة، تُهدر كرامته وتُثقل كاهله في بيئة عمل تفتقر لأدنى شروط الاستقرار.
عدالة مفقودة وفرص تائهة
إن القلوب تعتصر ألماً وهي تشاهد هذا المشروع يمزق نسيج تكافؤ الفرص. فبدلاً من تعليم يوحد المغاربة، يكرس هذا النهج تفاوتات جديدة تجعل من التعليم العمومي جزرًا متباعدة، وتفرغه من أبعاده التربوية السامية. وما فضيحة تسريب الامتحانات إلا دليل صارخ على هشاشة هذا البناء وغياب الرؤية التي تحمي هيبة المدرسة.
نداء للعودة إلى الصواب
باسم كل أستاذ يواجه قسوة الواقع بابتسامة صبورة، وباسم كل تلميذ يحلم بمستقبل مشرق، تعلن النقابات رفضها القاطع لتحويل أبنائنا إلى حقل تجارب لخطط تُطبخ في الغرف المظلمة بعيداً عن أهل الميدان.
رسالتنا واضحة ونابعة من الغيرة على هذا الوطن:
أوقفوا هذا العبث التقني الذي يفتقر للروح العلمية.
أعيدوا الاعتبار للإنسان، للمعلم، الذي هو حجر الزاوية في أي نهضة.
افتحوا أبواب الحوار الحقيقي، فإصلاح التعليم لا يمر عبر الأوامر الفوقية، بل عبر قلوب وعقول من يعيشون يوميات المدرسة.
إن المسؤولية اليوم ليست إدارية فحسب، بل هي مسؤولية أخلاقية وتاريخية أمام الأجيال القادمة. لن نسمح بأن يغرق مركب التعليم العمومي في أمواج القرارات الأحادية.

