من عرش النفط إلى حافة الغزو: قصة السقوط المرعب لفنزويلا "السعودية اللاتينية"
تتصدر فنزويلا العناوين العالمية مجددًا، ليس بوصفها صاحبة أكبر احتياطي نفطي في كوكب الأرض، بل كساحة صراع دولي وقنبلة موقوتة في أمريكا اللاتينية. في الوقت الذي تقرأ فيه هذه السطور، تشير التقارير إلى تحركات عسكرية أمريكية ضخمة بالقرب من المياه الفنزويلية، وسط تساؤلات حارقة: كيف تحول أغنى بلد في المنطقة إلى "جحيم" يطرد سكانه؟ وما هي قصة الصعود والهبوط التي دمرت أحلام الملايين؟
فنزويلا: من التهميش الإسباني إلى الذهب الأسود
لم تكن فنزويلا دائمًا مطمعًا للقوى العظمى. خلال الاستعمار الإسباني، كانت تُعتبر منطقة مهمشة لافتقارها للذهب والفضة مقارنة بجيرانها. لكن عام 1914 غير مجرى التاريخ؛ حيث تم اكتشاف "الذهب الأسود".
تمتلك فنزويلا احتياطياً يقدر بـ 300 مليار برميل نفط، وهو ما جعلها في الخمسينيات والستينيات وجهة للأثرياء، وموطنًا للأبراج الشاهقة والعملة القوية، حتى أُطلق عليها لقب "السعودية اللاتينية".
"لعنة النفط" وحروب الشرق الأوسط
ارتبط مصير فنزويلا بشكل غريب بأحداث الشرق الأوسط.
حرب أكتوبر 1973: أدى حظر النفط العربي إلى قفزة جنونية في الأسعار، مما أغرق فنزويلا بالأموال.
الحرب العراقية الإيرانية: تسببت في موجة غلاء ثانية للنفط، وصلت بأسعار البرميل لمستويات تاريخية.
بدلاً من استثمار هذه المليارات في بناء اقتصاد مستدام، غرقت الدولة في الإنفاق البذخي، والمشاريع الفاشلة، والفساد الحكومي. كانت فنزويلا تعيش "حلمًا" سيتحول قريبًا إلى "كابوس" بمجرد هبوط الأسعار.
الانهيار الكبير: عام 1986 ونقطة التحول
في عام 1986، قررت السعودية زيادة إنتاجها النفطي لاستعادة حصتها في السوق، مما أدى لانهيار الأسعار من 90 دولاراً إلى أقل من 15 دولاراً. وجدت فنزويلا نفسها عاجزة عن سداد ديونها أو دفع الرواتب. لجأت الحكومة لطباعة العملة، مما فجر "التضخم الجامح" الذي وصل في التسعينيات إلى 100%، وبدأت ملامح الفقر تنهش العاصمة كراكاس.
عصر هوغو تشافيز: الثورة والاشتراكية
وسط هذا الركام، ظهر الضابط الشاب هوغو تشافيز. وصل للسلطة عام 1998 بوعود وردية للفقراء، معلنًا تأسيس "جمهورية اشتراكية" ومعاديًا للولايات المتحدة. خدم الحظ تشافيز في بداياته مع ارتفاع أسعار النفط مجددًا (وصل البرميل لـ 150 دولار عام 2008)، مما سمح له بتمويل برامج اجتماعية ضخمة. لكنه ارتكب الخطأ القاتل ذاته: الاعتماد الكلي على النفط (أكثر من 90% من الصادرات) دون تنويع الاقتصاد.
عهد نيكولاس مادورو: من سائق باص إلى المطلوب رقم 1
بعد وفاة تشافيز عام 2013، استلم السلطة نائبه نيكولاس مادورو، سائق الباص السابق الذي يفتقر للخبرة السياسية والعسكرية. تزامن حكمه مع انهيار جديد في أسعار النفط، لتدخل البلاد في أسوأ أزمة إنسانية في تاريخها الحديث:
تضخم خيالي: وصل إلى أكثر من 1,700,000% في عام 2018، مما جعل العملة بلا قيمة.
هجرة جماعية: غادر أكثر من 8 ملايين مواطن (ربع السكان) بلادهم بحثًا عن الطعام.
العزلة الدولية: فرضت أمريكا عقوبات خانقة، واتهمت مادورو بإدارة منظمة لتجارة المخدرات، ورصدت مكافأة 50 مليون دولار للقبض عليه.
2026: هل تقترب ساعة الصفر؟
اليوم، تعيش فنزويلا حالة انهيار تام، مع انقطاعات مستمرة للكهرباء والماء، ونسب فقر تتجاوز 80%. في المقابل، يرى مادورو نفسه بطلاً يحارب "الإمبريالية الأمريكية"، مدعومًا من روسيا وإيران والصين.
مع تحرك المدمرات والغواصات الأمريكية نحو المنطقة، يبقى السؤال: هل سيشهد العالم غزوًا عسكريًا جديدًا للإطاحة بالنظام الفنزويلي، أم أن "لعنة النفط" ستظل تلاحق هذا الشعب المنكوب حتى إشعار آخر؟
خلاصة القول:
قصة فنزويلا هي الدرس الأقسى في التاريخ الحديث؛ فهي تثبت أن امتلاك الثروة دون إدارة حكيمة ومؤسسات قوية هو مجرد طريق مختصر نحو الهاوية.
هل تعتقد أن التدخل العسكري هو الحل للأزمة الفنزويلية؟ شاركنا برأيك في التعليقات.

